فخر الدين الرازي
108
تفسير الرازي
ابن عباس : ما كنت أدرى ما معنى يحور ، حتى سمعت إعرابية تقول لابنتها حوري أي ارجعي ، ونقل القفال عن بعضهم أن الحور هو الرجوع إلى خلاف ما كان عليه المرء كما قالوا : " نعوذ بالله من الحور بعد الكور " فعلى الوجه الأول معنى الآية أنه ظن أن لن يرجع إلى الآخرة أي لن يبعث ، وقال مقاتل وابن عباس : حسب أن لا يرجع إلى الله تعالى ، وعلى الوجه الثاني أنه ظن أن لن يرجع إلى خلاف ما هو عليه في الدنيا من السرور والتنعم . * ( بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيراً ) * . ثم قال تعالى : * ( بلى ) * أي ليبعثن ، وعلى الوجه الثاني يكون المعنى أن الله تعالى يبدل سروره بغم لا ينقطع وتنعمه ببلاء لا ينتهي ولا يزول . أما قوله : * ( إن ربه كان بصيراً ) * فقال الكلبي : كان بصيراً به من يوم خلقه إلى أن بعثه ، وقال عطاء : بصيراً بما سبق عليه في أم الكتاب من الشقاء ، وقال مقاتل : بصيراً متى بعثه ، وقال الزجاج : كان عالماً بأن مرجعه إليه ولا فائدة في هذه الأقوال ، إنما الفائدة في وجهين ذكرهما القفال الأول : أن ربه كان عالماً بأنه سيجزيه والثاني : أن ربه كان عالماً بما يعمله من الكفر والمعاصي فلم يكن يجوز في حكمته أن يهمله فلا يعاقبه على سوء أعماله ، وهذا زجر لكل المكلفين عن جميع المعاصي . * ( فَلاَ أُقْسِمُ باِلشَّفَقِ * وَالَّيْلِ وَمَا وَسَقَ * وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ * لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبقٍ * فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ) * . اعلم أن قوله تعالى : * ( فلا أقسم بالشفق ) * فيه مسائل : المسألة الأولى : أن هذا قسم ، وأما حرف لا فقد تكلمنا فيه في قوله تعالى : * ( لا أقسم بيوم القيامة ) * ( القيامة : 1 ) ومن جملة الوجوه المذكورة هناك أن لا نفي ورد لكلام قبل القسم وتوجيه هذا الوجه ههنا ظاهر ، لأنه تعالى حكى ههنا عن المشرك أنه ظن أن لن يحور فقوله لا رد لذلك القول وإبطال لذلك الظن ثم قال بعده أقسم بالشفق . المسألة الثانية : قد عرفت اختلاف العلماء في أن القسم واقع بهذه الأشياء أو يخالفها ، وعرفت أن المتكلمين زعموا أن القسم واقع برب الشفق وإن كان محذوفاً ، لأن ذلك معلوم من حيث ورد الحظر بأن يقسم الإنسان بغير الله تعالى . المسألة الثالثة : تركيب لفظ الشفق في أصل اللغة لرقة الشيء ، ومنه يقال : ثوب شفق كأنه